Perspective

ما بعد المحتوى: أين تتراكم القيمة في الاقتصاد الإبداعي البالغ حجمه 1.4 تريليون دولار؟

بلغت صادرات الخدمات الإبداعية 1.4 تريليون دولار في عام 2022، مسجلةً نموًا بنسبة 29% مقارنة بعام 2017، فيما وصلت صادرات السلع الإبداعية إلى 713 مليار دولار. ويوفر هذا القطاع ما يقارب 50 مليون فرصة عمل حول العالم، ويسهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ولم يعد الاقتصاد الإبداعي يُنظر إليه بوصفه قطاعًا ثقافيًا فحسب، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة للنشاط الاقتصادي العالمي، ومصدرًا متناميًا للابتكار والنمو وتوليد رأس المال الفكري.

ومع ذلك، قد لا يكون السؤال الاستثماري الأهم هو إلى أي مدى سيواصل هذا الاقتصاد نموه، بل أين ستتراكم القيمة داخله مع مرور الوقت.

في عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، أصبح الانتباه أحد أكثر الموارد ندرةً وقيمةً. فالمنصات تُبنى على القدرة على استقطابه، والشركات تتنافس على كسبه، وسلوك المستهلكين يتشكل بصورة متزايدة تبعًا له. أما المؤسسات القادرة على تحويل الانتباه إلى تفاعل وولاء وعائد اقتصادي مستدام، فهي التي ترسخ لنفسها مزايا تنافسية يصعب تقليدها.

إلا أن التجارب الاقتصادية الكبرى تُظهر أن أكثر مصادر القيمة استدامة لا تنشأ دائمًا من المنتج النهائي، وإنما من البنية التحتية التي تُمكّن القطاعات من النمو والتوسع.

فقد غيّر عصر السكك الحديدية مسار التجارة العالمية، غير أن القيمة الأكبر تراكمت لدى الجهات التي امتلكت البنية التحتية وأدارتها. وأعادت شبكات الاتصالات تشكيل مفهوم الترابط العالمي لتصبح في حد ذاتها أصولًا استراتيجية. كما أسهم الإنترنت في خلق قيمة اقتصادية هائلة، ليس فقط عبر المحتوى والتجارة الإلكترونية، وإنما أيضًا من خلال البنية التحتية التي أتاحت المشاركة الرقمية. وأطلقت تقنيات الهواتف الذكية منظومات اقتصادية جديدة بالكامل حول منصات مثل آبل ومتجر التطبيقات. وفي الآونة الأخيرة، لم يقتصر الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي على التطبيقات وحدها، بل امتد إلى أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، ومنصات البيانات، وأدوات المطورين.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن الاقتصاد الإبداعي يسير في الاتجاه ذاته.

فبينما يواصل المبدعون والعلامات التجارية وشركات الإعلام والترفيه إنتاج المحتوى واستقطاب الانتباه، تتنامى القيمة بصورة متزايدة في البنية التحتية التي تُمكّن هذا النظام الاقتصادي من العمل بكفاءة والتوسع على نطاق واسع. فقد أصبحت أدوات الإبداع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصات إدارة الحقوق، وشبكات التوزيع الرقمي، ومحركات التحليلات، والتقنيات المخصصة للمبدعين، وأنظمة تحقيق الدخل، والبنية التحتية للملكية الفكرية، عناصر أساسية في سلسلة القيمة للاقتصاد الإبداعي.

ويعكس هذا التوجه تحولًا أوسع يشهده الاقتصاد العالمي. فوفقًا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، يواصل الاستثمار في الأصول غير الملموسة – بما يشمل البرمجيات، والبيانات، والبحث والتطوير، والعلامات التجارية، والتصميم، ورأس المال التنظيمي – نموه بوتيرة تتجاوز العديد من فئات الأصول التقليدية. كما تشير الدراسات الصادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية وأوشن تومو إلى تحول جوهري في آليات خلق القيمة، حيث أصبحت الأصول غير الملموسة تمثل ركيزة أساسية لنمو الشركات وتعزيز تنافسيتها ورفع قيمتها السوقية.

وتؤكد أسواق المال هذا التحول كذلك، إذ أظهرت الدراسات طويلة الأمد التي أجرتها أوشن تومو أن القيمة السوقية للشركات الرائدة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على رأس المال الفكري والأصول غير الملموسة، أكثر من اعتمادها على الأصول المادية.

وتعزز التحركات الاستثمارية الأخيرة هذا التوجه. إذ تتوقع غولدمان ساكس ارتفاع عدد المبدعين عالميًا من نحو 67 مليونًا في عام 2025 إلى أكثر من 100 مليون بحلول عام 2030، مدفوعًا بالنمو المتسارع للإعلانات والتجارة والاشتراكات التي يقودها المبدعون، إلى جانب نماذج الأعمال المعززة بالذكاء الاصطناعي. وفي السياق ذاته، أعلنت تي بي جي، بالشراكة مع وكالة كرييتيف آرتيستس، عن إطلاق منصة مدعومة بالتزام استثماري أولي بقيمة 250 مليون دولار أمريكي للاستحواذ على شركات المبدعين وتنميتها، فيما يعكس استحواذ أكسنتشر سونغ على ويلار الأهمية الاستراتيجية المتنامية للتسويق القائم على المبدعين والتجارة الاجتماعية. وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الاقتصاد الإبداعي بات يحظى باهتمام متزايد من المستثمرين المؤسسيين ورؤوس الأموال طويلة الأجل.

وينسجم هذا التوجه مع الجهود التي تقودها دول، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، لتعزيز المنظومات الداعمة للابتكار، وتنمية الكفاءات، وتطوير البنية التحتية التي تُمكّن الإبداع وتسهم في بناء رأس المال الفكري. ومع تنامي دور الصناعات القائمة على المعرفة، أصبحت القدرة على تطوير الأصول غير الملموسة واستقطابها من أبرز محددات التنافسية الاقتصادية على المدى الطويل.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الاقتصاد الإبداعي باعتباره قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا فحسب، بل باعتباره عدسة تكشف التحولات الأعمق في كيفية خلق القيمة داخل الاقتصاد العالمي.

ولم يعد التساؤل اليوم يدور حول أهمية الاقتصاد الإبداعي، فالمؤشرات السوقية والاتجاهات الاستثمارية طويلة الأجل تؤكد مكانته المتنامية. أما السؤال الأكثر أهمية، فهو: أين ستتراكم القيمة مستقبلًا؟ وهل يتموضع المستثمرون اليوم في الحلقة التي تُبنى فيها المزايا التنافسية المستدامة؟

مكونات القيمة السوقية لمؤشر S&P 500

تطور الأصول الملموسة مقابل الأصول غير الملموسة (١٩٧٥ - ٢٠٢٥)

المصدر: أوشن تومو، جزء من دراسة .J.S هيلد حول القيمة السوقية للأصول غير الملموسة، ٢٠٢٥

مشاركة المقالة